قلعة البحرين: الحفريات التي تسبق القلعة بأربعة آلاف سنة
ما ارتفاع التلّ الأثري وكم طبقة فيه — ولماذا يعطي مصدران رقمين مختلفين نطبعهما معًا. ومتى بنى البرتغاليون الحصن الذي في أعلى الصورة، ولماذا صار اسم القلعة عند أهل البحرين «قلعة البرتغال»، ومتى تُزار في أغسطس ورطوبة المنامة عند ٦٩ بالمئة.
- الموقع
- ضاحية السيف، شمال جزيرة البحرين
- التصنيف
- أثر
- أفضل وقت
- أغسطس — قبل الغروب بساعة
- مدة الزيارة
- ساعتان مع المتحف
- آخر تحديث
- أغسطس ٢٠٢٦

التلّ تحت القلعة: ١٢ مترًا، أم ٨ أمتار من الطبقات؟
التلّ الأثري الذي تقوم عليه قلعة البحرين تلّ صناعي من صنع البشر لا تلّة طبيعية، وارتفاعه ١٢ مترًا بحسب سجلّ منشور، بينما يعطي سجلّ آخر ثمانية أمتار من الطبقات الحضارية المتراكمة ويجعل أقصى ارتفاع للموقع نحو اثني عشر مترًا فوق سطح البحر. الرقمان يقيسان شيئين مختلفين، ولذلك نطبعهما معًا ولا نُرجّح.
والفارق بينهما هو الفارق بين «كم يرتفع التلّ» و«كم سُمك ما تركه الناس فيه». الطبقة الحضارية هي الردم الذي خلّفته أجيال متعاقبة من بناء وهدم وإعادة بناء في المكان نفسه؛ والارتفاع فوق سطح البحر يشمل ما تحتها. أن يكون ثمانية أمتار من هذا الاثني عشر صُنعت باليد شيء يستحقّ أن يُتخيّل قبل أن يُقرأ.
ومساحة الموقع ١٧٫٥ هكتار، ولم يُنقَّب منها حتى الآن سوى نحو الرُّبع. أي أنّ ثلاثة أرباع ما تحت قدميك ما زال مدفونًا — وهذه ليست معلومة عابرة بل هي بالضبط ما تراه في الصورة أعلاه: الحفريات الممتدّة إلى جوار القلعة ليست الموقع، إنّها الجزء الذي كُشف منه فقط.
أمّا مساحة الملكية المسجَّلة على قائمة التراث العالمي فأكبر بكثير: ٧٠٫٤ هكتار، تحيط بها منطقة عازلة مساحتها ١٬٣١١٫٨ هكتار. الفرق بين ١٧٫٥ و٧٠٫٤ ليس تناقضًا: الأوّل حدود التلّ المنقَّب، والثاني حدود الموقع المحمي بما فيه المياه الضحلة والحقول المجاورة.
وحدود الموقع نفسها منشورة بالأمتار: طول الجدار من الشرق إلى الغرب ٧٥٠ مترًا، ومن الشمال إلى الجنوب ٣٦٠ مترًا. اضرب الرقمين تجد مساحة تقارب سبعة وعشرين هكتارًا — وهو حساب أجريناه نحن على الرقمين، ويعطيك فكرة عن حجم ما تمشيه.
والقلعة على شاطئ البحر في الجهة الشمالية من جزيرة البحرين، محصورة بين قرية كرباباد شرقًا وقرية حلّة عبد الصالح جنوبًا وغربًا. من المنامة إليها ٩٫٠ كيلومترات وإحدى عشرة دقيقة سياقة — أي أنّها داخل المدينة عمليًّا لا خارجها.
دلمون: العاصمة التي عُثر عليها تحت الحصن
الموقع يُعدّ عاصمة حضارة دلمون وميناءها، وأقدم طبقاته تُنسب إلى نحو ٢٣٠٠ قبل الميلاد — أي إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. هذا هو سبب وجود الموقع على قائمة التراث العالمي، لا الحصن الذي يعلوه.
ودلمون ليست اسمًا محلّيًّا اخترعه الأثريّون. وردت في الكتابات المسمارية في بلاد الرافدين من وقت مبكّر يعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، وكانت محطّة التجارة بين الهند وإفريقيا وسواحل الخليج والعراق: تُنقل عبرها الأخشاب والحاصلات، ويمرّ فيها نحاس عُمان في طريقه إلى جنوب العراق.
والامتداد الزمني للطبقات هو الرقم الذي يجعل هذا الموقع استثنائيًّا. سجلّ منشور يعطيه سبع طبقات متراكمة من ٢٣٠٠ قبل الميلاد إلى القرن الثامن عشر الميلادي؛ وسجلّ آخر يصفه بخمس مدن دلمونية متعاقبة بُنيت واحدة فوق الأخرى بين نحو ٢٣٠٠ قبل الميلاد و١٤٠٠ ميلادية. نطبع التوصيفين معًا لأنّ كليهما منشور ولأنّهما يختلفان في العدّ لا في المضمون.
وسواء أخذت الرقم الأوّل أو الثاني فالنتيجة واحدة: أربعة آلاف سنة على الأقلّ من الاستيطان المتّصل في بقعة واحدة. الحصن البرتغالي الذي تراه في أعلى الصورة هو آخر السطور في هذا النصّ، لا أوّلها — وهو ما يقوله عنوان هذه الصفحة.
وأهمّ ما خرج من الموقع ليس بناءً بل ورقًا: كشفت الحفريات الفرنسية عن رُقُم مسمارية تشكّل أرشيفًا إداريًّا، يُعدّ أقدم أرشيف كاشّي عُثر عليه في الشرق الأوسط. أرشيف إداري يعني ضرائب وحسابات وموظّفين — أي دولة، لا قرية كبيرة.
وأُدرج الموقع على قائمة التراث العالمي بالمعايير الثاني والثالث والرابع، وهي معايير تُمنح للمواقع التي تشهد على تبادل حضاري وعلى تقليد ثقافي وعلى نمط عمراني. ثلاثة معايير لموقع واحد رقم مرتفع نسبيًّا، ويفسّر لماذا تُوصف قلعة البحرين بأنّها الملفّ التأسيسي للآثار البحرينية.
الحصن البرتغالي في الأعلى: القرن السادس عشر
الحصن الظاهر في أعلى الصورة بُني في القرن السادس عشر الميلادي: احتلّ البرتغاليون الموقع بين ١٥٢١ و١٦٠٢، وأضافوا أبراجًا مربّعة في الزوايا لتقوية تحصينات كانت قائمة قبلهم بناها حكّام عرب محلّيّون في القرنين الرابع عشر والخامس عشر.
أي أنّ البرتغاليين لم يبنوا قلعة من الصفر بل عزّزوا قلعة موجودة. هذه تفصيلة تُغيّر قراءة المبنى كلّه: ما تراه ليس عمارة أوروبية مزروعة في جزيرة، بل تحصين محلّي أُضيف إليه منطق التحصين البارودي الأوروبي — الأبراج المربّعة في الزوايا جواب على المدفع.
ومن هنا جاء الاسم الذي يستعمله أهل البحرين إلى اليوم: «قلعة البرتغال». الاسم الشعبي احتفظ بذكرى واحد وثمانين سنة من الاحتلال ونسي أربعة آلاف سنة تحتها، وهذا في حدّ ذاته درس في كيف تُصنع الذاكرة: يبقى منها آخر ما جرى لا أطوله.
والحصن يُوصف بأنّه أقدم تحصين قائم في منطقة الخليج. الوصف يعني أقدم ما بقي واقفًا، لا أقدم ما بُني — والتمييز ضروري في منطقة بُنيت حصونها من مواد لا تدوم.
وموقع الحصن فوق التلّ ليس صدفة ولا اختيارًا جماليًّا: التلّ نفسه أعلى نقطة في محيطه، والبناء فوقه يعطي مدى رؤية على البحر والساحل. البرتغاليون اختاروا المكان للسبب نفسه الذي اختاره الدلمونيون قبلهم بأربعة آلاف سنة — القرب من الماء والإشراف عليه.
وحين تقف عند سور الحصن وتنظر شمالًا ترى البحر مباشرةً، وهذا ما لم يعد صحيحًا عن كثير من ساحل البحرين بعد الردم. القلعة من قلائل النقاط التي ما زالت على الماء كما كانت، وهي مسألة سنعود إليها في صفحة أخرى عن باب البحرين.
١٧٫٥ هكتار، لم يُنقَّب منها إلا الرُّبع. ما تراه في الصورة ليس الموقع — إنّه الجزء الذي كُشف منه فقط.
٢٠٠٥، والملفّ رقم ١١٩٢
أُدرجت قلعة البحرين على قائمة التراث العالمي سنة ٢٠٠٥ تحت الملفّ رقم ١١٩٢، باسم «قلعة البحرين — ميناء ودار عاصمة دلمون». السنة والرقم هما ما يُبحث عنه، وهما هنا معًا في السطر الأوّل.
وهي أوّل موقع بحريني يُدرَج على القائمة، وتلاها مسار اللؤلؤ في ٢٠١٢ ومدافن دلمون في وقت لاحق. أي أنّ ملفّ ١١٩٢ هو الذي فتح الباب أمام بقيّة الملفّات البحرينية، وهذا سبب إضافي لزيارته أوّلًا.
وكان موقع مركز التراث العالمي لليونسكو يردّ بتحدٍّ آليّ في ٨ أغسطس ٢٠٢٦، فتعذّرت قراءة ملفّ الإدراج من مصدره الأوّل. سنة الإدراج ورقم الملفّ ومساحاته ومعاييره أعلاه منقولة عن سجلّات مرآتية تُحيل إلى اليونسكو، ونقولها كذلك بدل أن نُوهم بأنّنا قرأنا الملفّ.
والاسم الرسمي للملفّ يستحقّ التوقّف عنده: «ميناء ودار عاصمة دلمون». الميناء أوّلًا. الموقع أُدرج بوصفه منشأة اقتصادية قبل أن يُدرَج بوصفه حصنًا، وهذا هو مفتاح قراءة الحفريات: ما تراه أساسات مخازن ومساكن ومنشآت مرفأ، لا أساسات قلاع متعاقبة.
ومسافة الموقع من قلب المنامة ٦٫٥ كيلومترات في خطّ مستقيم. موقع تراث عالمي عمره أربعة آلاف سنة على بُعد ستّة كيلومترات ونصف من وسط العاصمة — هذه معادلة نادرة، وهي سبب وجيه لعدم تأجيل الزيارة إلى «رحلة» منفصلة.
وإدراج الموقع لا يعني أنّه مكتمل الدراسة. الرُّبع المنقَّب فقط يعني أنّ الحفريات مستمرّة وأنّ ما تراه في زيارة بعد خمس سنوات قد يختلف عمّا تراه اليوم — وهذا من قليل الأماكن التي تستحقّ زيارة ثانية بعد سنوات لهذا السبب تحديدًا.
المتحف الملاصق، وساعة الزيارة في أغسطس
إلى جوار الموقع متحف ملاصق يعرض ما خرج من الحفريات ويشرح تعاقب الطبقات — وهو الذي يجعل التلّ مفهومًا. وصف الصورة على ويكيميديا كومنز يقول ذلك صراحةً: زيارة المتحف المجاور تجعل سبب إدراج الموقع على قائمة التراث العالمي واضحًا. من يمشي في الحفريات بلا المتحف يرى أساسات حجرية متشابهة؛ ومن يبدأ بالمتحف يرى ترتيبها الزمني.
أمّا مواعيد الفتح ورسوم الدخول فلا نطبعها: لم نتمكّن في ٨ أغسطس ٢٠٢٦ من قراءتها من هيئة البحرين للثقافة والآثار. الهيئة هي الجهة التي تملك الجوابين، وتُسأل قبل الخروج.
أمّا الساعة من النهار فيحسمها الطقس. في أغسطس ٢٠٢٥ بلغ متوسّط الحرارة العظمى في المنامة ٤٠٫٥ درجة مئوية وأقصى ما سُجّل ٤٣٫٨، ومتوسّط الصغرى ٣٢٫٤ — أي أنّ أبرد لحظة في الشهر كلّه كانت فوق الاثنتين والثلاثين.
والرطوبة هي الحاسم لا الحرارة. بلغ متوسّط الرطوبة النسبية في المنامة في الشهر نفسه ٥٧ بالمئة، وارتفع عند السادسة صباحًا إلى ٦٩ بالمئة وعند السادسة مساءً إلى ٥٩. رطوبة عند سبعين بالمئة فوق حرارة عند ثلاث وثلاثين درجة تعني أنّ العرق لا يتبخّر، وهذا هو ما يجعل صيف البحرين أثقل من صيف الداخل رغم أنّ حرارته أقلّ.
والحلّ الوحيد رقم واحد: ساعة الغروب. غربت الشمس في المنامة في ١٥ أغسطس ٢٠٢٥ عند ٦:١٤ مساءً، وكان متوسّط الحرارة عند السادسة مساءً ٣٥٫٨ درجة مقابل ٣٩٫٥ عند الثانية بعد الظهر. الوصول قبل الغروب بساعة يعطيك أفضل ما في هذا الشهر: ضوء مائل على الحجر، وأربع درجات أقلّ، وحفريات لا ظلّ فيها لكنّها لم تعد في الشمس المباشرة.
والموقع مكشوف بالكامل ولا ظلّ فيه تقريبًا، وهو على الساحل مباشرةً فالنسيم البحري موجود لكنّه رطب. احمل ماءً، وابدأ بالمتحف المكيَّف، واخرج إلى الحفريات في آخر ساعة من النهار. هذا هو الترتيب الوحيد الذي يجعل زيارة أغسطس تنتهي بالحفريات لا بالانسحاب منها.



